ر4518 زيارة 

۞ القِـسـم : مقالات فقهية أصولية
۞ تاريخ الرفع : 05-09-2016 م .


بسم الله الرحمن الرحيم
نقل الإجماع على لزوم الطلاق بلا شهود ولا سماع

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده -صلَّى الله عليه وآلهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا- أمّا بعد :
فـقد قال الإمام البخاريُّ في صحيحه في بداية «كتاب: الطلاق» باب (٦٨) : (( وطَلاقُ السُّـنة: أن يُـطَـلِّـقَها طاهرًا مِن غير جِماع، ويُشْهِدُ شاهِدَيْن )) اهـ٠
فالطلاق السُّـنِّيُّ: أن يُـطَـلِّـقَ الرَّجُلُ امرأتَهُ طاهرةً في غير حَـيْضٍ، بل في طُهْرٍ لَمْ يُجامِعْها فيه، ويُشْهِدُ شاهِدَيْ عَدْلٍ علىٰ طَلاقهِ٠
والطلاق البِدْعِيُّ: أن يُـطَـلِّـقَها حائضًا، أو في طُهْرٍ جامَعَها فيه، ولا يُشْهِدُ علىٰ طَلاقهِ٠
هذا بمفهوم المُخالَفة لكلام البخاري، وليس كذلك في الإشهاد كما سيظهر٠
وعليه، فالطَّلاقُ الشَّرعِيُّ السُّـنِّيُّ الصحيحُ الكامل الذي أَوْقَعَهُ علىٰ ما وُصِفَ آنِفًا٠
ولقد وَقَعَ الخِلافُ بين أهل العِلْم في كَوْنِ الإشهاد علَى الطَّلاق واجِبًا أو مُسْتَحَبًّا، وأَوْصَلَهُ بعضُ المُعاصِرِين كالشيخ الألبانِيِّ، والشيخ أحمد شاكر، إلَى الشَّرْطِـيَّة، وعلَى القول باستحبابه فلا يكون الطَّلاقُ بغير إشهادٍ بِدْعَةً٠
* أمَّا دليلُ مَن قال بالوجوب، فـقد استدلُّوا بقوله تعالىٰ في سورة الطلاق: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وبالحديث الذي رواه أبو داود في سُـنَـنهِ (٢١٦٨)، وابنُ ماجه في سُـنَـنهِ (٢٠٢٥)، مِنْ حديث عِمران بن حُصَيْن ﭬ أنه سُـئِلَ عن الرَّجُل يُـطَـلِّـقُ امرأتَهُ ثُمَّ يقع بها ولَمْ يُشْهِدْ علىٰ طَلاقِها ولا رَجْعَـتِها، فـقال: (( طَلَّقْتَ لِغَـيْرِ السُّـنة، وراجَعْتَ لِغَـيْرِ السُّـنة، أَشْهِدْ علىٰ طلاقِها وعلىٰ رَجْعَتِها، ولا تَعُدْ ))٠
ذَكَرَ الحافظُ الحديثَ في «بُلُوغ المَرام» (ح: ١٠٢٠) وقال: (( وسنده صحيح )) اهـ٠
ولا دلالة لهم في الآية ولا في الحديث علَى الوجوب، ووَجْهُ ذلك كما يلي:
قال شيخُ المُـفَسِّرِين أبو جعفر ابنُ جريرٍ الطَّـبَرِيُّ في تفسيره (٢٨/ ١٤٥) عند الآية: (( وقوله: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾: وأَشْهِدُوا علَى الإمساك إنْ أَمْسَكْـتُمُوهُنَّ، وذلك هو الرَّجْعَة، ﴿ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُم﴾: وهُما اللَّذانِ يُـرْضَىٰ دِينُهُما وأَمانَـتُهُما )) اهـ٠
وقال القرطبي في تفسيره (١٨/ ١٢٠) : (( قوله تعالىٰ: ﴿وَأَشۡهِدُواْ﴾: أَمْـرٌ بالإشهاد علَى الطَّلاق، وقيل: الرَّجْعَة، والظاهر: رجوعه إلَى الرَّجْعَة لا إلَى الطَّلاق٠
فإن راجَعَ مِنْ غير إشهادٍ فـفي صحة الرَّجْعَةِ قولانِ للفقهاء٠
وقيل: المعنىٰ: وأَشْهِدُوا عند الرَّجْعَةِ والْفُـرْقَـةِ جميعًا٠
وهذا الإشهاد مندوبٌ إليه عند أَبِي حنيفة؛ كقوله تعالىٰ: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وعند الشافعي واجبٌ في الرَّجْعَة، مندوبٌ إليه في الفُـرْقَـة٠
والإشهادُ عند أكثر العلماء علَى الرَّجْعَة علَى النَّدْب، وأَوْجَبَ الإشهاد في الرَّجْعَةِ: أحمد بن حنبل، في أحد قَوْلَـيْهِ، والشافعي كذلك؛ لِظاهر الأمر٠
وقال مالكٌ وأبو حنيفة والشافعي في القول الآخَر: إنَّ الرَّجْعَةَ لا تَـفْـتَـقِـرُ إلَى القبول، فلَمْ تَـفْـتَـقِـرْ إلَى الإشهاد كسائر الحقوق، وخُصُوصًا حِلُّ الظِّهار بالكَـفَّارة )) اهـ٠
قلتُ: قال الصنعانِيُّ في «سُبُل السلام» (٣/ ٢٦٦-٢٦٧) (ح: ١٠٢٠) : (( وقد أَجْمَعَ العلماءُ علىٰ أنَّ الزَّوْجَ يملك رَجْعَةَ زَوْجَـتهِ في الطَّلاق الرَّجْعِيِّ ما دامَتْ في العِدَّة مِنْ غير اعتبارِ رِضاها ورِضا وَلِـيِّها إذا كان الطَّلاقُ بعد المسيس، وكان الحُكْمُ بصحة الرَّجْعَة مُجْمَعًا عليه )) اهـ٠
ومثله نَـقَلَهُ ابنُ المُـنذِر في إجماعه (ص٥١٠/ رقم٤٦٤) قال: (( وأَجْمَعُوا أنَّ الرَّجْعَةَ إلَى الرَّجُلِ ما دامَتْ في العِدَّة وإن كَرِهَتْ ذلك المرأةُ )) اهـ٠
وقال ابنُ كثيرٍ في تفسيره (٨/ ٩٣) : (( وقوله: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ أيْ: علَى الرَّجْعَة إذا عَزَمْـتُم عليها )) اهـ ، فذَكَرَ حديثَ عمران بن حصين٠
وقال الشوكانِيُّ في «نَـيْل الأَوْطار» (١٢/ ٤٦٤/ ح. (٣/ ٢٨٨٥) : (( وأمَّا قوله تعالىٰ: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾: فهو وارِدٌ عقب قوله: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ﴾ الآية )) اهـ ، يعني: فهو راجعٌ إلَى الرَّجْعَة لا إلَى الطَّلاق٠
وكذلك فَهِمَها ابنُ قُدامة في «المُغْني» (١٠/ ٣٩٣-٣٩٤/ مسألة: ١٢٩٣) قال: (( وجُمْلَـتُهُ أنَّ الرَّجْعَةَ لا تفتقر إلىٰ وَلِيٍّ ولا صَداقٍ ولا رِضَى المرأة ولا عِلْمِها، بإجماع أهل العِلْم؛ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ أنَّ الرَّجْـعِـيَّـةَ في أحكام الزوجات، والرَّجْعَة إمساكٌ لها واستبقاءٌ لِنكاحها، ولهذا سَمَّى الله -سبحانه وتعالى- الرَّجْعَةَ إمساكًا، وتَـرْكَها فِـرَاقًا وسَرَاحًا، فـقال: ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ﴾ [الطلاق: ٢]، وفي آيةٍ أخرىٰ: ﴿فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وإنَّما تَشَعَّثَ النِّكاحُ بالطَّـلْـقَـةِ وانْعَقَدَ بها سببُ زَوالهِ، فالرَّجْعَةُ تُـزِيلُ شَعَـثَهُ وتَـقْطَعُ مُضِـيَّهُ إلَى الْبَـيْـنُونَة، فلَمْ يَحْـتَجْ لذلك إلىٰ ما يحتاجُ إليه ابتداء النكاح، فأمَّا الشهادةُ فـفيها روايتان:
إحداهما: تجب، وهذا أحدُ قَوْلَيِ الشافعي؛ لأنَّ الله تعالىٰ قال: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ وظاهر الأمر الوجوب؛ لأنه استباحة بُضعٍ مقصود، فوَجَبَت الشهادةُ فيه كالنكاح، وعكسه البيع٠
والرواية الثانية: لا تجب الشهادةُ، وهي اختيار أبي بكرٍ وقول مالكٍ وأبي حنيفة؛ لأنها لا تفتقر إلىٰ قبولٍ، فلم تفتقر إلىٰ شهادةٍ كسائر حقوق الزوج؛ ولأنَّ ما لا يُشترط فيه الوَلِيُّ لا يُشترط فيه الإشهاد كالبيع، وعند ذلك يُحْمَلُ الأمر علَى الاستحباب، ولا خِلاف بين أهل العِلْم في أنَّ السُّـنةَ الإشهاد )) اهـ٠
فهُـنا المسألة أصلاً علَى الرَّجْعَة، وعليها حَمَلَ ابنُ قُدامة الآيةَ٠
وعليه، فـقد اخـتلف المفسرون علَى المُـرَاد بالأمر بالإشهاد مِن الآية، فمنهم مَنْ حَمَلَهُ علَى الرَّجْعَة، وهُم عامَّـتُهم، ومنهم مَنْ حَمَلَهُ علَى الطَّلاق، فكانت الآيةُ دليلاً للفريقين، فلا تصلح للاستدلال في المسألة؛ لِـتَطَـرُّقِ الاحتمال إليها، وإذا تطَـرَّقَ إلَى الدليل الاحتمالُ سَقَطَ به الاستدلالُ، فلا حُجَّةَ في الآية علىٰ وجوب الإشهاد علَى الطَّلاق٠
وأمَّا الحديثُ فلا دلالة فيه علَى الوُجُوب، فـقول عِمْران ﭬ : (( طَـلَّـقْتَ لِغَـيْرِ السُّـنة، وراجَعْتَ لِغَـيْرِ السُّـنة )) لا دليلَ فيه علَى الوجوب؛ لِاشْتِمال لَفْظِ السُّـنة علَى المَـنْدُوبِ الواجب، وقد مَـرَّ آنِفًا قولُ ابن قُدامة بعد أن ذَكَـرَ الخِلافَ علَى الإشهاد علَى الرَّجْعَة هل هو واجبٌ أو مندوبٌ، فـقال: (( ولا خِلاف بين أهل العِلْم في أنَّ السُّـنةَ الإشهاد )) اهـ ، يعني: أنَّ المستحَبَّ والمندوبَ إليه: الإشهاد٠
وقال الصنعانِيُّ في «سُبل السلام» (٣/ ٢٦٧) مُـعَـلِّـقًا علَى الحديث: (( والحديث يُحتمَل أنه قاله عمرانُ اجتهادًا؛ إذْ للاجتهاد فيه مسرح؛ إلَّا أنَّ قوله: «راجعتَ لغير السُّـنة» قد يقال: إنَّ السُّـنة إذا أُطْـلِقَتْ في لسان الصحابي؛ يُـرَادُ بها سُـنَّـةَ النبي ﷺ ، فيكون مرفوعًا، إلَّا أنه لا يدل علَى الإيجاب؛ لِـتَـرَدُّدِ كونه مِن سُـنَّـتهِ ﷺ بين الإيجاب والنَّدب )) اهـ٠
وعليه، فلا دلالة في الحديث علَى الوجوب، فـقد تطَـرَّق إليه الاحتمالُ، وإذا تطَـرَّقَ إلَى الدليل الاحتمالُ سَقَطَ به الاستدلالُ٠
ومِن ثَمَّ فلا دليل مع مَن قال بوجوب الإشهاد علَى الطَّلاق٠
ثُمَّ إنَّ الحديث المذكور بَوَّبَ له أبو داود في سُـننهِ: «باب: الرجل يُـراجع ولا يُشهِد»، وبَوَّبَ له ابن ماجه: «باب: الرَّجْعَة»، فاستدَلُّوا به علَى الرَّجْعَة٠
ومِن باب التَّـنَـزُّلِ في الحوار -جَدَلاً- لو قد ثَبتَ الدليلُ علَى وجوب الإشهاد في الطَّلاق، وطَـلَّـقَ رَجُلٌ ولَمْ يُشْهِدْ، فما الدليل علىٰ عدم صحة الطَّلاق مِنْ غير إشهاد؟
سيقولون: الأمر بالإشهاد٠
أقول: هناك فَـرْقٌ كبيرٌ بين الوجوب والشَّرْطِـيَّة، فالشيءُ يَصِحُّ مع الخَلَلِ في بعض واجباته، ولا يَصِحُّ بدون الشَّرْط٠
فالواجبُ هو: ما يُـثابُ فاعله ويُعاقَبُ تارِكُه، أو هو: ما تُوُعِّدَ بالثواب فاعلُه وبالعقاب تارِكُه٠
أمَّا الشَّرْطُ فهو: ما يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، كالطَّهارة للصلاة٠
فصورة الشرط في الأدلة الشرعية مثل الحديث الذي رواه البخاريُّ في صحيحه (٦٩٥٤)، ومسلمٌ (٢٢٤)، مِنْ حديث أبي هريرة ﭬ عن رسول الله ﷺ قال: (( لا يقبل الله صلاةَ أحدِكم إذا أَحْدَثَ حتىٰ يتوضَّأ ))، وفي رواية مسلم: (( لا يقبل الله صلاةً بغير طُهورٍ ))٠
فهذا هو الشرط الذي يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، كما عرَّفه الأصوليون٠
وكقوله ﷺ الذي رواه الترمذي في سُـننهِ (٣٧٧) وقال: «حديثٌ حسنٌ» مِن حديث عائشة ڤ عن النبي ﷺ قال: (( لا يقبل الله صلاةَ حائضٍ إلَّا بخِمار ))٠
قال الشوكانِيُّ في «نَـيْل الأوطار» (٣/ ٣٠٣/ ح: ١٢/ ٥٢٥) : (( الشرط حكم وضعي شرعي لا يثبت بمجرد الأوامر )) اهـ٠
وقال صِدِّيق حسن خان في «الرَّوْضَة النَّدِيَّـة» (١/ ٨١-٨٢) : (( وممَّا يفيد وجوب ستر العورة أحاديث … وكلها في الصحيح؛ لكن ليس فيها ما يُستفادُ منه الشرطية، فهو خاصٌّ بالمرأة، وقد عرفتَ ممَّا سَلَفَ أنَّ الذي يستلزم عدمُهُ عدمُ الصلاة، أي: بُطْلانُها: هو الشرط أو الرُّكْن، لا الواجب، فمَن زَعَمَ أنَّ مَن ظَهَرَ شيءٌ مِن عورته في الصلاة، أو صلَّىٰ بثيابٍ مُـتَـنَجِّسَةٍ، كانت صلاةٌ باطلةً، فهو مُطالَبٌ بالدليل، ولا ينفعه مُجَـرَّدُ الأوامر بالستر أو التطهير، فإنَّ غايةَ ما يُستفادُ منها الوجوبُ )) اهـ٠
فـعَلَىٰ فَـرْضِـيَّـةِ وجود الإشهاد علَى الطَّلاق فليس هناك دليلٌ علىٰ عدم صحة الطلاق بدون إشهاد، لأنَّ الإشهاد حينئذٍ واجبٌ لا شرط، وقد ثَبتَ لك ممَّا تَـقَدَّمَ عدمُ قيام الدليل علَى الوجوب٠
وقد ثبتَ في الصحيحين مِنْ حديث عبد الله ابن بُحَيْنَة ﭬ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَسِيَ التشهُّدَ الأَوْسَطَ، وهو مِن واجبات الصلاة، وقد أَمَـرَ به النبيُّ ﷺ المُسِيءَ في صلاتهِ كما في الصحيحين، ومع ذلك جَـبَـرَهُ النبيُّ ﷺ بِسَجْدَتَيِ سَهْوٍ، فافـتَـرَقَ الواجبُ عن الشَّرْطِ، فلَوْ صَلَّىٰ رَجُلٌ بدون وضوءٍ فصلاته باطلةٌ بلا خِلاف، فلمَّا كان الأصلُ الأُصُولِيُّ المتفقُ عليه: «براءةُ الذِّمَّـةِ مِن التكاليف» أو «البراءةُ الأصلية»، وثبتَ عدمُ وجود الدليل الصحيح الصريح علىٰ وجوب الإشهاد فضلاً عن الشرطية، والواجب لا يثبتُ بالاحتمال، إذ الاحتمالُ لا يُـزِيلُ يقينَ الأصل بالبراءة مِن التكاليف٠
قال الشوكانِيُّ في «نَـيْل الأوطار» (٢/ ٧٢/ ح: ١٧/ ١٧٩) : (( والفرائضُ لا تثبتُ إلَّا بـيقينٍ، والحُكْمُ علىٰ ما لَمْ يفرضْهُ الله بالفرضية كالحُكْمِ علىٰ ما فَـرَضَهُ بعدمها، لا شَكَّ في ذلك؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما مِن التَّـقَوُّلِ علَى الله بِما لَمْ يَـقُـلْ )) اهـ٠
ولَوْ جَدَلاً وتَـنَـزُّلاً في الحُوار ثبتَ الوجوب أو الشرطية فـقد صُرِفَ إلَى الاستحباب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ طَـلَّـقَ حَـفْصَةَ وابنةَ الجَوْن كما عند البخاريِّ في صحيحه، ولَمْ يُشْهِدْ، ولا يجوز تأخيرُ البيان عن وقت الحاجَة بالإجماع، ولا يُـقال هذا خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ لأنَّ القاعدة الأصولية المتفق عليها «الأصل عدم الخصوصية ما لَمْ يَـرِدْ دليلٌ عليها»، وقد قال تعالىٰ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ الآية [الطلاق: ١]، فخاطَـبَهُ والأُمَّـةَ بأمر الطَّلاق، فالأُمَّـةُ مثله فيه، علىٰ خِلاف النِّـكاح الذي ثبتَ فيه خصوصيةٌ له ﷺ ٠
* بـيان عدم صحة قياس الطلاق علَى النكاح في لُزوم الإشهاد، وعِلَّة ذلك :
ويظهر ذلك مِن اخـتلاف الفرع عن الأصل والمقيس عليه، ممَّا يؤدِّي إلىٰ فساد القياس، وذلك مِن وجوه :
الأول: اشتراط الوَلِيِّ في النكاح، ولا يُشترط في الطلاق بالإجماع الذي نَـقَلَهُ ابنُ المُـنذِرِ والصنعانِيُّ وابنُ قُدامة، وقد تَـقَدَّمَ ذِكْـرُه٠
الثانِي: اشتراط رِضَى المرأة في النكاح، ولا يُشترط رِضاها في الطلاق بالإجماع المذكور آنِـفًا في الوجه الأول٠
الثالث: النكاحُ ابتداءٌ وتجميعٌ وبناءٌ، والطلاقُ إنهاءٌ وتفريقٌ وهَدْمٌ، فافـتَـرَقا، ولا قياسَ مع الفارِق٠
الرابع: عدمُ ثبوت حديث: (( لا نِكَاحَ إلَّا بِـوَلِـيٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ ))، فـعامَّـةُ المُحَدِّثين علىٰ عدم ثبوته، وإن نُـقِلَ الإجماعُ القديمُ علىٰ شرطية الوَلِيِّ في النكاح٠
روىٰ هذا الحديثَ الترمذيُّ في سُـنَـنهِ (١١٠٣) بدون ذِكْرِ الإشهاد، بِـلَـفْظِ: (( لا نِكَاحَ إلَّا بِـوَلِـيٍّ ))، ثُمَّ قال: «هذا حديثٌ غيرُ محفوظٍ، والعملُ علىٰ هذا عند أهل العِلْم مِنْ أصحاب النبي ﷺ ومَن بَعْدَهُم مِن التابعين وغيرِهم» اهـ٠
وقال ابنُ المُـنذِر فيما ذَكَـرَهُ ابنُ قُدامةَ في «المُـغْـني» (٩/ ١٤٤/ مسألة: ١٠٩٩) : (( لا يثبتُ في الشاهِدَيْنِ في النكاح خَـبَـرٌ )) اهـ٠
وهو قول ابن تيمية كما سيأتِي٠
وذَكَـرَ أبو بكرٍ ابن العربي في كتابه «عارضة الأَحْوَذِيِّ بشرح صحيح الترمذي» (٥/ ١٥) طُـرُقَ الحديث ثُمَّ قال: (( وهذا كله لَمْ يَصِحَّ في الباب منه شيءٌ )) اهـ٠
أمَّا الوَلِيُّ فلا بُـدَّ منه، ذَكَـرَ ابنُ حَجَرٍ في «الفـتح» عن ابن المُـنذِر (٩/ ١٨٧) أنه قال في الوَلِيِّ واشتراطه: (( إنَّهُ لا يُعْرَفُ عن أحدٍ مِن الصحابة خِلافُ ذلك )) اهـ٠
ولقد تتبَّعتُ طُـرُقَ الحديث في مصادِرَ كثيرةٍ فوَجَدتُها كُلَّها معلولةً، وهو كما قال ابنُ المُـنذِر وابنُ العربي٠
وانظر: «الكامل في ضعفاء الرجال» لابن عدي وروايات الحديث، و«التلخيص الحبير» لابن حجر، و«الضعفاء» للعقيلي، وغيرهم، كابن الجوزي في كتابه «التحقيق»، و«تنقيح التحقيق» للذهبي، و«تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي الحنبلي، و«العِلَل المُـتَـناهِـيَـة»، وابن عبد البر في «التمهيد»، وغيرهم٠
وحتىٰ لو ثبتَ الحديثُ فلا يَصِحُّ القياسُ لوجود الفارِق٠
فإذا كان ذلك كذلك وتـقَـرَّرَ عندك ما مضىٰ مِن مسائل هذا البحث فاعلم:
* نَـقْل الإجماع علىٰ لُزوم الطَّلاق بغير شهود :
١- قال الحافظ أبو الحسن ابنُ القَطَّان في «الإقناع في مسائل الإجماع» (٢/ ٣٢/ رقم٢٣١٤) : (( ولا نعلم خِلافًا أنَّ مَن طَـلَّـقَ ولَمْ يُشْهِدْ أنَّ الطَّلاقَ له لازِمٌ )) اهـ٠
٢- وقال ابن حزم في كتابه «مراتب الإجماع» (ص١٢٨-١٢٩) : (( ولا نعلم خِلافًا في أنَّ مَن طَـلَّـقَ ولَمْ يُشْهِدْ أنَّ الطَّلاقَ له لازِمٌ، ولكن لَسْنا نقطعُ علىٰ أنه إجماع )) اهـ٠
قال ابن تيمية في كتابه «نَـقْدُ مراتب الإجماع» (ص٢٩) : (( ومعلومٌ أنَّ الإجماع علىٰ هذا مِنْ أَظْهَر ما يُدَّعَىٰ فيه الإجماعُ، ولكن هو في غير مَوْضِعٍ يُخالِفُ ما هو إجماعٌ عند عامَّـةِ العلماء ويُـنكِـرُ أنه إجماع )) اهـ٠
قلتُ: وهو هُنا نَـقَلَ الإجماعَ ثُمَّ نَـفَى القطع، وهذا ظَنٌّ لا عِـبْـرَةَ به، إذْ صَـنِـيعُ ابنُ حَـزْمٍ نَـفْسَهُ في هذا الكتاب أنه لو شَذَّ أحدٌ عن الإجماع لَذَكَـرَهُ، وهو صَـنِـيعُ كُلِّ مَن كَـتَبَ في مسائل الإجماع كابن المُـنذِر وابن عبد البر وابن قُدامة والأصوليين، فلمَّا لَمْ يذكر، فالعِـبرةُ في الإجماع الذي قال: «ولا نعلم خِلافًا»٠
٣- وقال شيخُ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوىٰ» (٣٣/ ٣٣-٣٤) : (( وقال تعالىٰ: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، فأَمَـرَ بالإشهاد علَى الرَّجْعَة، والإشهادُ مأمورٌ به باتِّـفاقِ الأُمَّـة، قيل: أمر إيجاب، وقيل: أمر استحباب٠
وقد يظن بعضُ الناس أنَّ الإشهادَ هو الطلاق، وظَنَّ أنَّ الطلاقَ الذي لا يُشْهَدُ عليه لا يقع، وهذا خِلافُ الإجماع، وخِلافُ الكتاب والسُّـنة، ولَمْ يقلْ به أحدٌ مِن العلماء المشهورين به، فإنَّ الطلاقَ أُذِنَ فيه أَوَّلاً، ولَمْ يأمر فيه بالإشهاد، وإنَّما أمر بالإشهاد حين قال: ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ﴾، والمُـرَادُ هُـنا بالمُـفارَقة تخليةُ سبيلها إذا قَضَت العِدَّة، وهذا ليس بطلاقٍ ولا بِـرَجْعَةٍ ولا نكاح، والإشهاد في هذا باتِّـفاق المسلمين، فـعُلِمَ أنَّ الإشهادَ إنَّما هو علَى الرَّجْعَة، ومِنْ حِكْمَةِ ذلك: أنه قد يُطَـلِّـقُها بعد ذلك طلاقًا مُحَـرِّمًا، ولا يدري أحدٌ فـتكون معه حرامًا، فأمَـرَ الله أن يُشهد علَى الرَّجْعَة لِـيظهرَ أنه قد وقعتْ به طلقة، كما أمَـرَ النبيُّ ﷺ مَن وَجَدَ اللُّـقَـطَة أن يُشهِدَ عليها لِـئَـلَّا يُـزَيِّنُ الشيطانُ كِتمانَ اللُّقَطَة وهذا بخِلاف الطلاق فإنه إذا طلَّقها ولَمْ يُراجعها، بل خلَّىٰ سبيلها، فإنه يظهر للناس أنها ليست امرأته، بل هي مُـطَـلَّـقَـة، بخِلاف ما إذا بَـقِـيَتْ زوجةً عنده، فإنه لا يدري الناسُ أَطَـلَّـقَها؟ أم لَمْ يُطَـلِّـقْها؟
أمَّا النكاح فلا بُـدَّ مِن التمييز بينه وبين السِّفاح واتِّخاذ الأخدان، كما أمَـرَ الله تعالىٰ، وبهذا مَضَت السُّـنةُ بـإعلانه، فلا يجوز أن يكون كالسِّفاح مكتومًا٠
لـكن: هل الواجب مجرد الإشهاد، أو مجرد الإعلان، وإن لَمْ يكُن إشهاد، أو يكفي أَيُّهُما كان؟
هذا فـيه نِـزَاعٌ بين العلماء )) اهـ٠
ثُمَّ قال أيضًا في «المجموع» (٣٣/ ١٥٨) : (( ولهذا لَمْ يثبتْ عن النبي ﷺ في الإشهاد علَى النكاح حديثٌ، ونـزاع العلماء في ذلك علىٰ أقوال في مذهب أحمد وغيره، فـقيل: يجب الإعلانُ، أَشْهَدُوا أوْ لَمْ يُشْهِدُوا، فإذا أعلنوه ولَمْ يُشْهِدُوا تَمَّ العَقْدُ، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدَى الرِّوايات٠
وقيل: يجب الإشهاد، أعلنوه أو لَمْ يُعلنوه، فمتىٰ أَشْهَدُوا وتوَاصَوْا بكِـتْمانهِ لَمْ يَـبْطُـلْ، وهذا مذهب أبِي حنيفة والشافعي وأحمد في إحدَى الرِّوايات٠
وقيل: يجب الأمران: الإشهاد والإعلان، وقيل: يجب أحدُهما، وكلاهما يُـذْكَـرُ في مذهب أحمد )) اهـ٠
٤- وقال الشوكانِيُّ في «نيل الأوطار» (١٢/ ٤٦٤/ ح: ٣/٢٨٨٥) وهو ينقُل الإجماع الذي نقله الإمام الفقيه محمد بن علِيِّ بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي، المشهور بِابْنِ نور الدِّين (ت٨٢٥هـ) وله ترجمة عند السَّخاوِيِّ في «الضوء اللامع» (٨/ ٢٢٣)، وابن العماد في «شذرات الذهب» (٦/ ٢٤٨) وهو أيضًا يُدْعَىٰ: الموزعِيّ، حيث نَـقَلَهُ في كتابه «تيسير البيان لأحكام القرآن» (٢/ ١١١٣)، قال الشوكانِيُّ:
(( ومن الأدلة علىٰ عدم الوجوب أنه قد وَقَعَ الإجماعُ علىٰ عدم وجوب الإشهاد في الطلاق، كما حَكَاهُ الموزعي في «تيسير البيان»، والرَّجْعَةُ قَـرِيـنَـتُهُ، فلا يجب فيها ما لا يجب فيه٠
وأمَّا قوله تعالىٰ: ﴿وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ﴾ [الطلاق: ٢]، فهو واردٌ عقب قوله: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ﴾ الآية٠
وقد عرفتَ الإجماعَ علىٰ عدم وجوب الإشهاد علَى الطلاق، والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب )) اهـ٠
أيْ: يقولون باستحباب الإشهاد علَى الطلاق٠
٥- وقال الصنعانِيُّ في «سُبل السلام» (٣/ ٢٦٧) (ح: ١٠٢٠) : (( قال الموزعي في «تيسير البيان» : وقد اتفق الناسُ علىٰ أنَّ الطلاق مِن غير إشهادٍ جائِـزٌ )) اهـ٠
أيْ: يجوز أن يُـطَـلِّـقَ الرَّجُلُ بلا شهودٍ، وطَلاقُـهُ نافذٌ٠
أقول: ولَمْ يَـثْـبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ سأل ابنَ عمر لَمَّا طَـلَّـقَ -كما مَـرَّ الحديث، وهو في الصحيحين- هل أَشْهَدتَ علىٰ طلاقك، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجَة، ولا نُـقِلَ عنه ذلك في أيِّ طلاقٍ وَقَعَ في عهده، ولا نُـقِلَ ذلك أيضًا في عهد الخلفاء الراشدين، ولو كان واجبًا أو شرطًا لَاشْـتُهِرَ ونُـقِلَ، فلَمَّا لَمْ يكُن ذلك كذلك، وعُلِمَ الإجماعُ علىٰ لُزوم الطلاق بدون شهود، ثبتَ المطلوبُ بإذن العليم الحكيم٠
قال ابنُ المُـنذِر في إجماعه (ص٤٣/ رقم٣٩٥-٣٩٦) : (( وأَجْمَعُوا علىٰ أنَّ الطلاقَ للسُّـنة: أن يُـطَـلِّـقَها طاهرًا فيه قُـبُلَ عدتها، وأجْمَعوا علىٰ أنَّ مَن طَـلَّـقَ امرأتَهُ واحدةً وهي طاهرٌ مِنْ حيضةٍ لَمْ يُـطَـلِّـقْها فيه، ولَمْ يكن جامَعَها في ذلك الطُّهْر أنه مُصِيبٌ للسُّـنة )) اهـ٠
قلتُ: ولَمْ يذكر الإشهاد حتىٰ يقال إنَّ الطلاق بغير إشهادٍ: بدعة، ولكن مِن السُّـنة الكاملة المندوب إليها: الإشهادُ علَى الطلاق؛ كما في حديث عمران٠
وهذا يَـرُدُّ قولَ البخاريِّ المُـسْـتَـنْـبَطَ بمفهوم المُخالَفة في بداية البحث٠
وهناك وَجْهٌ أَخْـتِمُ به، وهو الإجماعُ الذي نَـقَلَهُ الغزاليُّ في «المُسْتَصْفىٰ في أصول الفقه» (١/ ٧٧-٧٨)، وهو إجماع الأُمَّـة علىٰ عدم تكليف الظَلَمَة بقضاء الصلوات في الأرض المغصوبة، وذلك لِانْـفِكَاكِ الْجِهَة، فله ثوابُ الصلاة، وعليه وِزْرُ الغَصْب، فكذلك مَن طَـلَّـقَ بغير إشهاد علىٰ فرضية إيجاب الإشهاد جَدَلاً وليس بواجب، قال تعالىٰ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ﴾ [فاطر: ١٨]٠
هذا ما وَفَّـقَ الله ويَـسَّـرَ لِـتَسْطِـيرِهِ، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا بالله، ولله الأمْـرُ مِن قبلُ ومِن بعدُ، وآخِـرُ دَعْوانا أنِ الحمدُ لله رَبِّ العالمين٠


وكَـتَبَ:
د/ أبو عبد الرحمن
عِــيد بن أبي الســعـود الـكــيال
وكان الانتهاء من كتابة هذه المقالة
ليلة الجمعة ١٠ / شوال / ١٤٣٧هـ
الموافق ١٥ / ٧ / ٢٠١٦م

تحـمـيل بـصـيغة PDF
من أرشيف الموقع
تابع الصفحات الرسمية للموقع
إجمالي عدد زوار المـوقع :
إجمالي الزيارات المتكررة :
SiteLock