ر6300 زيارة 

۞ القِـسـم : مقالات فقهية أصولية
۞ تاريخ الرفع : 20-02-2017 م .


بسم الله الرحمن الرحيم
تحرير القول بوجوب قراءة الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد ووجوب قراءة قرآن فوقها على الإمام والمنفرد

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام علىٰ مَن لا نبيَّ بعده ﷺ ، أمَّا بعد :
فـقد رَوَى البخاريُّ في صحيحه (٧٥٦)، ومسلمٌ في صحيحه (٣٩٤)، مِن حديث عُبادة بن الصامت ﭬ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (( لا صـلاةَ لِـمَـن لَمْ يَـقْـرَأْ بـفـاتـحـة الكـتاب ))، وفي رواية: (( بِأُمِّ الـقُـرآن ))٠
وروىٰ مسلمٌ في صحيحه (٣٨/ ٣٩٥)، مِن حديث أبي هريرة ﭬ، عن النبي ﷺ قال: (( مَـن صَـلَّىٰ صـلاةً لَمْ يَـقْـرَأْ فـيها بِأُمِّ القُـرآن ؛ فـهي خِـدَاج )) ثلاثًا ، غيرُ تمام٠
فـقـيل لِأَبي هُريرة : إنَّا نكون وراء الإمام٠
فـقال: اقرأ بِها في نفسك، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: (( قـال الله -عَزَّ وجلَّ- : «قسمتُ الصلاةَ بـيني وبـين عـبدي نصـفـين، ولعـبدي مـا سـأل»، فإذا قـال العـبدُ: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾؛ قـال الله تعالىٰ: «حَمِدَنِي عبدي»، وإذا قـال: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾؛ قال الله تعالىٰ: «أَثْـنَىٰ علَيَّ عـبدي»، وإذا قـال: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ﴾؛ قـال: «مَـجَّـدَنِي عـبدي»، وقال مَـرَّة: «فَـوَّضَ إلَيَّ عـبدي»، فإذا قـال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾؛ قـال: «هـذا بـيني وبـين عـبدي، ولِـعَـبدي مـا سـأل»، فإذا قـال: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾؛ قـال: «هـذا لِـعَـبدي، ولِـعَـبدي مـا سـأل» ))٠
فـسَمَّى الفاتحةَ صلاة ؛ لأنَّ الصلاةَ لا تـتمُّ إلَّا بِها٠
قاله أبو العباس القُرطبي في «المُـفْـهِم لِمَا أُشْكِلَ مِن تلخيص كتاب مُسْلِم» (٢/ ١٨-٢٢)، وقال:
(( قوله: «لا صلاة»: ظـاهِـرُهُ نَـفْيُ الإجْـزَاءِ في كل صلاةٍ لا يُـقْـرَأُ فـيها بِأُمِّ القرآن، وهو مذهب الجمهور٠ ورَأَىٰ أبو حنيفة أنَّها لا تتعيَّن، وأنَّ غيرها مِن آيِ القرآن وسُوَرِهِ يُجْـزِئ، فـتَعـيَّنَ عليه حَمْلُ: «لا صلاة» علىٰ نَـفْيِ الكمال، أو علَى الإجمال بينهما٠
ومذهب الجمهور هو الصحيح؛ لأنَّ نَـفْيَ الإجـزاء هو السابق للفهم، كما تقول العرب: لا رَجُلَ في الدَّار، فإنه يقتضي هذا نَـفْيُ الجِـنْس الكامل والناقص، ولا يُصار لِـنَـفْيِ الوَصْفِ إلَّا بدليلٍ خارج )) اهـ٠
* قلتُ: وما قاله القرطبي هو الحق، فـقد قَـعَّـدَ الأصوليون في هذا الشأن قاعدةً، وهي: «يُحْمَلُ النَّـفْيُ أَوَّل ما يُحْمَلُ علَى الذَّاتِ أو الوجود، فإنْ تعذَّرَ حُمِلَ علَى الصِّحَّة، فإنْ تعذَّرَ حُمِلَ علَى الكمال»٠
فمثلًا: قوله ﷺ : (( لا صلاةَ لِمَن لَمْ يقرأ بفاتحة الكـتاب ))، وهذا الحديث رواه أيضًا ابنُ خُـزَيْمَةَ في صحيحه (٤٨٨)، تحت باب: «إيجاب القراءة في الصلاة بفاتحة الكتاب، ونَـفْي الصلاة بغير قراءَتِها»، فـيُحْمَل علىٰ نفي الذات أَوَّلًا أو الوجود، فـيتعذَّر؛ لأنه قد صلَّىٰ بدون فاتحةٍ وَوُجِدَتْ الصلاةُ فِعْلًا، فـيُحْمَلُ حِـينـئذٍ علَى الصحة؛ فـتكون الصلاةُ باطلةً غيرَ صحيحة، ولا يُحْمَلُ علَى الكمال إلَّا بدليل، ولا دليل؛ ولأنَّ الأصلَ في النَّـفْيِ نَـفْيُ الصحة، فلا يُصْرَفُ عنه إلَّا بِحُجَّـةٍ وبُرهان٠
وقال الفقيه الحافظ الأصوليُّ الإمامُ أبو محمدٍ ابنُ حَـزْمٍ $ في «المُحَلَّىٰ» (٢/ ٢٣٦/ مسألة: ٣٥٩) :
(( وقراءةُ أُمِّ القرآن فرضٌ في كل ركعةٍ مِن كل صلاة، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو مُـنْـفَرِدًا، والفرضُ والتطوُّع، والرِّجال والنساء سواءٌ، حـدَّثَـنا … عن عُبادةَ بن الصامت أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لا صلاةَ لِمَن لَمْ يَـقْـرَأْ بِأُمِّ القُرآن»، فإن قـيل: فمِن أين أوجبتموها فرضًا في كل ركعة ؟! قُـلْـنا: لِمَا حـدَّثَـنا … عن أبي هريرة، فـذَكَـرَ حديثَ الذي أَمَـرَهُ النبيُّ ﷺ أن يُعِـيدَ الصلاةَ، فأخْـبَـرَهُ أنه لا يُحْسِنُ غير ذلك، فـقال له رسولُ الله ﷺ : «إذا قُمْتَ إلَى الصلاة فـكَـبِّـرْ، ثُمَّ اقرأ ما تيسَّرَ معك مِن القرآن، ثُمَّ اركع حتىٰ تطمئنَّ راكعًا، ثُمَّ ارفع حتىٰ تطمئنَّ قائمًا، ثُمَّ اسجد حتىٰ تطمئنَّ ساجدًا، ثُمَّ ارفع حتىٰ تطمئنَّ جالسًا، ثُمَّ اسجد حتىٰ تطمئنَّ ساجدًا، ثُمَّ افعل ذلك في صلاتك كلها»، فوجَبَ بِهذا الأمر فرضًا أن يفعل في باقي صلاته في كل ركعةٍ مثل هـذا )) اهـ٠
* قلتُ: والحديث المذكور هو الحديثُ العُمْدَةُ في باب الصلاة، وهو حديث المسيء في صلاته، الذي رواه البخاري في صحيحه (٧٥٧، ٧٩٣)، ومسلم (٣٩٧)، وسائر أهل السُّنن والمسانيد٠
وفي رواية لهذا الحديث: (( ثُمَّ اقرأ بِأُمِّ القرآن )) رواها ابن حبان في صحيحه (١٧٨٧/ إحسان)، باب: «ذِكْر البيان بأنَّ فرض المرء في صلاته قراءةُ فاتحة الكـتاب في كل ركعةٍ مِن صلاته»٠
قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٧٧) : والصحيح الذي عليه جمهور العلماء مِن السَّلَفِ والخَلَفِ: وجوب الفاتحة في كل ركعة؛ لقوله ﷺ للأعرابي: «ثُمَّ افعل ذلك في صلاتك كلها» )) اهـ٠
وقال ابن قُدامة في «المُـغْـنِي» (٢/ ٣٧/ مسألة: ١٥٠) : (( … ولأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّمَ المُسِيءَ في صلاته كيف يُصَلِّي الركعة الأُولَىٰ، ثُمَّ قال: «وافعل ذلك في صلاتك كلها»، فـتـناوَلَ الأمر بالقراءة )) اهـ٠
وقال النووي في «المجموع شرح المُهَذَّب» (٣/ ٣١٤-٣١٥) عند حديث: «لا صلاةَ لِمَن لَمْ يَـقْـرَأْ بِأُمِّ الـقُـرآن» : (( وهذا عامٌّ في كُلِّ مُـصَـلٍّ )) اهـ٠
ومعنَى «الخِدَاج» المذكور في حديث أبي هريرة ﭬ : النُّـقْصان٠
قال النووي في «شرح صحيح مسلم» (٤/ ٧٦-٧٧) : (( قال الخليل بن أحمد والأصمعي وأبو حاتم السِّجِسْتانِي والهروي وآخرون: الخِدَاج: النقصان، يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النـتاج وإن كان تامَّ الخلق، وأخدجـته إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة، ومنه قـيل لذي اليدين: مخدج اليدين، أي: ناقصها٠ قالوا: فـقوله ﷺ : «خِدَاج» أي: ذات خِدَاج، وقال جماعةٌ مِن أهل اللغة: خدجت وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام … وأمَّا الأحكام: فـفيه وجوب قراءة الفاتحة، وأنَّها مُـتَـعَـيِّـنةٌ لا يُجْـزِئُ غيرها إلَّا لعاجزٍ عنها، وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمَن بَعْدَهُم … وممَّا يؤيِّده: حديث أبي هريرة ﭬ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تُجْـزِئُ صلاةٌ لا يُـقْـرَأُ فـيها بفاتحة الكـتاب» رواه أبو بكرٍ ابنُ خُـزَيْمَةَ في صحيحه بإسنادٍ صحيح، وكذا رواه أبو حاتمٍ ابن حبان )) اهـ٠
* قلتُ: أمَّا ابن حبان فـقد رواه في صحيحه (١٧٨٩/ إحسان)، باب: «ذِكْر البيان بأنَّ الخِدَاجَ الذي قال رسولُ الله ﷺ في الخَبر هو: النقص الذي لا تُجْـزِئُ الصلاةُ معه، دون أن يكون ناقصًا يجوز الصلاةُ به»٠
ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٤٩٠) تحت باب: «ذِكْر الدليل علىٰ أنَّ الخِدَاجَ الذي أَعْلَمَ النبيُّ ﷺ في هذا الخَبر هو: النقص الذي لا تُجْـزِئُ الصلاةُ معه؛ إذ النقص في الصلاة يكون نقصين: أحدهما: لا تُجْـزِئُ الصلاةُ مع ذلك النقص، والآخَر: تكون الصلاةُ جائـزةً مع ذلك النقص لا يجب إعادتُها، وليس هذا النقص ممَّا يُوجِبُ سَجْدَتَيِ السَّهْو مع جواز الصلاة»٠
قال صِدِّيق حسن خان في «الروضة النديَّـة شرح الدُّرَر البهـيَّـة» (١/ ٨٥-٨٨) : (( «وأركانُها كلها مفترضة»: لكونِها ماهِـيَّـة الصلاة التي لا يسقط التكليف إلَّا بفعلها … وأمَّا القراءةُ ؛ فلِوُرُود ما يدل علىٰ شَرْطِـيَّـتها، كحديث: «لا صلاةَ إلَّا بفاتحة الكـتاب»، وحديث: «لا تُجْـزِئُ صلاةٌ إلَّا بفاتحة الكـتاب»، ونحوها٠
فإنَّ النفي إذا توجَّه إلَى الذات أو إلىٰ صحتها؛ أفاد الشَّرْطِـيَّـة؛ إذْ هي تأثير عدم الشرط في عدم المشروط، وأَصْرَحُ مِن مُـطْـلَقِ النفي: النفيُ المُـتوجِّهُ إلَى الإجـزاء٠
والحاصل أنَّ شروط الشيء يقـتضي عَـدَمُها عَـدَمَـهُ، وأركانه كذلك؛ لأنَّ عدم وجود الرُّكْن يُوجِبُ عدم وجود الصورة المأمور بِها علَى الصِّفَة التي اعتبرها الشارع، وما كان لا يُجْـزِئُ إلَّا أن يقوم دليلٌ علىٰ أنَّ مثل ذلك الرُّكْن لا يُخْرِجُ الصورة المأمور بِها عن كونِها مُـجْـزِئة، أمَّا الواجباتُ فـغايةُ ما يُسـتفادُ من دليلها -وهو مطلق الأمر- أنَّ تركها معصية، لا أنَّ عدمها يسـتلزم عدم الصورة المأمور بِها
)) اهـ٠
* أقول: فهذه الأدلة المذكورة وكلام أهل العلم عليها يوجب عموم قراءة الفاتحة للإمام والمأموم والمنفرد، ولا نخرج مِن هذا العُموم إلَّا بدليل يُوجِبُ خصوصيةً لصورةٍ ما٠
أمَّا الإمام فليس ثَمَّ دليلٌ في ذلك، ومثله المنفرد، وإنَّما النِّـزَاعُ في المأموم، والذي أقول به هو دخوله تحت عموم الأدلة بـرُكْـنـيَّـةِ أو شرطية الفاتحة٠
قال النووي في «المجموع شرح المهذَّب» (٣/ ٣١٠-٣١٧) :
(( فرع: في مذاهب العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام: قد ذَكَـرْنا أنَّ مذهبنا وجوب قراءة الفاتحة علَى المأموم في كل الركعات مِن الصلاة السِّـرِّيَّـة والجهرية، هذا هو الصحيح عندنا، وبه قال أكثر العلماء٠
قال الترمذي في جامعه: القراءة خلف الإمام هي قول أكثر أهل العِلْم مِن أصحاب النبيِّ ﷺ والتابعين، قال: وبه يقول مالك، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحـٰق، وقال ابن المنذر: قال الثوري، وابن عُـيَـيْـنة، وجماعةٌ مِن أهل الكوفة: لا قراءة علَى المأموم، وقال الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد، وإسحـٰق -يعني في روايةٍ لهم- : لا يقرأ في الجهرية، وتجب القراءة في السرية، وقال ابن عون، والأوزاعي، وأبو ثور، وغيرهم: تجب القراءة علَى المأموم في السرية والجهرية، والذي عليه جمهور المسلمين: القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية، قال البيهقي: وهو أصحُّ الأقوال علَى السُّـنة وأَحْوَطُها، ثُمَّ رَوَى الأحاديثَ فيه، ثُمَّ رواه بأسانيده المتعددة عن عمر بن الخطاب، وعليِّ بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وأُبَيِّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وابن عمر، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وعُبادة بن الصامت، وأبي هريرة، وهشام بن عامر، وعمران، وعبد الله بن مغفل، وعائشة، ﭫ، قال: ورويناه عن جماعة مِن التابعين، فرواه عن عروة بن الزبير، ومكحول، والشعبي، وسعيد بن جُبير، والحسن البصري، رحمهم الله٠ حاشية(١)
_____________________________
(١) رَوَى البيهقي هذه الآثار في «السنن الكبرىٰ» (٢/ ١٦٣-١٧٢)٠


واحتجَّ لِمن قال لا يقرأ مطلقًا بحديثٍ يرويه مكي بن إبراهيم، عن أبي حنيفة، عن موسَى بن أبي عنيسة، عن عبد الله بن شدَّاد، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «مَن صلَّىٰ خلف الإمام فإنَّ قراءة الإمام له قراءة»، وعن ابن عمر، عن النبي ﷺ مثله … والجواب عن الأحاديث التي احتجَّ بِها القائلون بإسقاط القراءة بِها: أنَّها كلها ضعيفة، وليس فيها شيءٌ صحيح عن النبي ﷺ ، وبعضُها موقوفٌ، وبعضُها مُرسَلٌ، وبعضُها في رُواته ضعيفٌ أو ضعفاء، وقد بيَّن البيهقي $ عِللَ جميعها وأوضح ضعفها )) اهـ٠
* قلتُ: وكذلك الدارقطني في سُـنَـنهِ (١/ ٣٢٣) حيث ضَعَّفَ رُواتَها وبيَّن إرسالها، وانظر كلام البيهقي في «السنن الكبرىٰ» (٢/ ١٦٣-١٧٢) تحت باب: «مَن قال لا يقرأ خلف الإمام علَى الإطلاق»٠
وقال ابن حجر العسقلانِيُّ في «التلخيص الحبير» (١/ ٤٢٢) تحت حديث (٣٤٦) :
(( فائدة: حديث: «مَن كان له إمام فـقراءة الإمام له قراءة»: مشهورٌ مِن حديث جابر، وله طُـرُقٌ عن جماعة مِن الصحابة، وكلها معلولة )) اهـ٠
ورَوَى ابن الجـوزي طُـرُقَ هـذه الأحاديث فِي «التحـقـيق»، الأحاديث: (٦٤٩- ٦٦٠)، (٣/ ٩٠/ ٩٩)، مسألة (١٤١)، وحَكَمَ بضعـفها كلها، وبـيَّن أنَّ مِن رُواتِها: الضـعـيف، والمـتروك، والمضطرب فِي حديثه، ومَن لا يُحـتجُّ بروايته، ومَن حديثه غلطٌ وخـطأ، ومنها: المُرسَل، وليس بالقوي، …
وكذلك حَكَمَ عليها الذهبيُّ في «تنقيح التحقيق» المطبوع مع كتاب «التحقيق» في هامش الأصل٠
فماذا بعد ؟!
أمَّا الحديثُ الذي رواه مسلمٌ في صحيحه (٦٢، ٦٣/ ٤٠٤)، مِن حديث أبي موسَى الأشعري ﭬ ، عن النبي ﷺ قال: (( إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثُمَّ لِـيَؤُمَّكُم أحدكم، فإذا كَـبَّـرَ فكـبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا ))٠
وقولُ الله تعالىٰ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]٠
فـقد قال النووي في «المجموع شرح المهذب» (٣/ ٣١٦-٣١٧) :
(( فـقد روينا عن مجاهد وغيره أنَّها نزلتْ في الخطبة، وسُمِّيَتْ قُرآنًا لِاشتمالها عليه، وروينا في سنن البيهقي حاشية(٢) عن أبي هريرة ومعاوية أنَّهما قالا: «كان الناس يتكلمون في الصلاة، فـنـزلتْ هذه الآية»٠
_____________________________
(٢) «السنن الكبرىٰ» (٢/ ١٥٥)٠


وأمَّا الجواب عن حديث: «وإذا قرأ فأنصتوا»: فمِن أَوْجُهٍ: منها: الوجه الذي اختاره البيهقي أنَّ هذه اللفظة ليست ثابتة عن النبي ﷺ ، قال أبو داود في سُننه: «هذه اللفظة غير محفوظة»، ثُمَّ رَوَى البيهقيُّ عن الحافظ أبي عليٍّ النيسابوري أنه قال: «هذه اللفظة غير محفوظة»، وخالَفَ التَّـيْمِيُّ جميع أصحاب قـتادة في زيادة هذه اللفظة، ثُمَّ رَوَىٰ عن يحيَى بن معين، وأبي حاتم الداري، أنَّهما قالا: «ليست محفوظة»، قال يحيَى بن معين: «ليست هي بشيء»، وذَكَـرَ البيهقي طُرقها وعِللَها كلها )) اهـ٠
وقد رَوَى البيهقي هذه الآثار في «السنن الكبرىٰ» (٢/ ١٥٦)٠
وأمَّا الحديث الذي رواه الترمذي في سننه (٣١٢)، وأبو داود في سننه (٨٢٦)، والبيهقي في «الكبرىٰ» (٢/ ١٥٧)، ومالك في «الموطأ» (١/ ٨٦-٨٧)، عن الزهري، عن ابن أُكَـيْمَة الليثي، عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ انصرف مِن صلاةٍ جَـهَـرَ فـيها بالقراءة فـقال: (( هل قرأ معي أحدٌ منكم؟ ))، فـقال رجلٌ: نعم يا رسولَ الله، قال: (( إنِّي أقول ما لي أُنازَعُ في القراءة ؟! ))، فانتهَى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فـيما جَـهَـرَ فـيه بالقـراءة مِن الصلوات حين سمعوا ذلك مِ رسول الله ﷺ٠
علَّق النووي في «المجموع شرح المهذّب» (٣/ ٣١١)، وذَكَـرَ تضعيف البيهقي له فـقال:
(( تفرَّدَ به عن أبي هريرة ابنُ أُكَـيْمة، وهو مجهول، قال: وقوله: «فانتهَى الناسُ عن القراءة مع رسول الله ﷺ فـيما جَهَرَ فـيه»: هو مِن كلام الزهري، وهو الراوي عن ابن أُكَـيْمة، قاله: محمد بن يحيَى الذُّهْلي، والبخاري، وأبو داود )) اهـ٠
ثُمَّ ذَكَـرَ النووي في «المجموع» (٣/ ٣١٥) الحديثَ الذي رواه الترمذي في سُـنَـنهِ (٣١١)، وأبو داود في سُـنَـنهِ (٨٢٣)، عن عُبادة بن الصامت ﭬ ، أنَّ النبيَّ ﷺ قـرأ فِي صـلاة الصـبح فـثـقلتْ عـلـيه القـراءةُ، فلمَّا فرغ قال: (( لعلكم تقرأون وراء إمامكم؟ ))، قلنا: نعم يا رسولَ الله، قال: (( لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاةَ لِمَن لَمْ يقرأْ بِها ))٠
قال النووي بعد ذِكْرِ الحديث:
(( رواه أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم، قال الترمذي: حديثٌ حسن، وقال الدارقطني: إسناده حسن، وقال الخطابي: إسناده جيدٌ لا مطعن فيه٠
فإن قـيل: هذا الحديث مِن رواية محمد بن إسحـٰق بن سيار، عن مكحول، ومحمد بن إسحـٰق: مُـدَلِّسٌ، والمدلس إذا قال في روايته «عن» لا يُحـتجُّ به عند جميع المُحَدِّثين؛ فجوابه: أنَّ الدارقطني والبيهقي روياه بإسنادهما عن ابن إسحـٰق، قال: حدَّثني مكحول، فذَكَـرَهُ، قال الدارقطني في إسناده هذا: إسناد حسن٠
وقد عُلِمَ مِن قاعدة المُحَدِّثين أنَّ المُدَلِّسَ إذا روىٰ حديثه مِن طريقين، قال في أحدهما: «عن»، وفي الأخرىٰ: «حـدَّثَـني» أو «أخبرنِي»، كان الطريقان صحيحين، وحُكِمَ باتِّصال الحديث، وقد حصل ذلك هنا٠
ورواه أبو داود مِن طُـرُقٍ، وكذلك الدارقطني والبيهقي، وفي بعضها: «صلَّىٰ بنا رسولُ الله ﷺ بعضَ الصلاة التي يجهر فـيها بالقراءة، فـقال: «لا يقرأنَّ أحدٌ منكم إذا جهرتُ بالقراءة إلَّا بأُمِّ القُرآن»، قال البيهقي -عَقِبَ هذه الرواية- : والحديث صحيح عن عُبادة عن النبي ﷺ وله شواهد، ثُمَّ روىٰ أحاديثَ شواهدَ له )) اهـ٠
* قلتُ: وهذه الرواية الأخيرة عند البيهقي في «السنن الكبرىٰ» (٢/ ١٦٤-١٦٥)، وكذلك كلامه الذي ذَكَـرَهُ النووي، ورواه الدارقطني في سننه (١/ ٣١٨)، وابن حبان في صحيحه (١٧٨٥)، وابن خزيمة في صحيحه (١٥٨١) تحت باب: «القراءة خلف الإمام؛ وإن جَهَرَ الإمامُ بالقراءة، والزجر عن أن يزيد المأموم علىٰ قراءة الفاتحة إذا جهر الإمام بالقراءة»٠
وعليه: فلا يقرأ المأموم خلف الإمام إلَّا بفاتحة الكتاب، أمَّا الإمام والمنفرد؛ فلا بُدَّ لهما مِن الزيادة علَى الفاتحة ولو بآية٠
* بيان الدليل علىٰ وجوب قراءة قُرآنٍ فوق الفاتحة :
فـقد روىٰ مسلمٌ في صحيحه (٣٧/ ٣٩٤) عن عُبادة بن الصامت ﭬ قال: قال رسولُ الله ﷺ : (( لا صلاةَ لِمَن لَمْ يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعِدًا ))٠
وروىٰ أبو داود في سننه (٨٢٠) أنَّ أبا سعيدٍ الخدري ﭬ قال: « أُمِـرْنا أن نقرأ بفاتحة الكـتاب وما تيسَّـرَ »٠
صححه ابنُ سيد الناس، وقال: «إسناده صحيحٌ، ورجالهُ ثقات»، وقال ابنُ حجر: «إسناده صحيح»٠
وكذلك صححه الشوكانِيُّ في «الدَّرَارِي المُـضِـيَّـة» (ص٩٦)، وقال:
(( وأمَّا قراءة غير الفاتحة معها؛ فـقد ثبت في الصحيحين حاشية(٣)، وغيرهما، مِن حديث أبي قـتادة أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقرأ في الظهر في الأولَـيَـيْنِ بأُمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخيرتين بفاتحة الكتاب٠
_____________________________
(٣) البخاري (٧٧٦)، ومسلم (١٥٥/ ٤٥١)٠


ووَرَدَ ما يُشْعِرُ بوجوب قرآنٍ مع الفاتحة مِن غير تعيين، [فذَكَـرَ الحديثين المذكورين آنِـفًا] … وهذه الأحاديث لا تقصر عن إفادة إيجاب قرآنٍ مع الفاتحة مِن غير تقييد؛ بل مُجَـرَّد الآية الواحدة يكفي )) اهـ٠
وحديث مسلم المذكور رواه ابن حبان في صحيحه (١٧٨٦) بسندٍ صحيح مِن طريقٍ آخَر، فـثبت وجوب قراءة قُرآنٍ فوق الفاتحة٠
والذي يؤكد أنَّ الزيادة علَى الفاتحة لغير المأموم؛ رواية أبي داود في سننه (٨٢٠)، قال سفيان فيها: «لِمَن يُصَلِّي وَحْدَهُ»؛ لقول النبي ﷺ الذي مَـرَّ: (( لا تُـنازِعُونِي إلَّا بأُمِّ القُرآن ))، وقد حسَّنه الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (ح: ٣٤٥)، وكذلك الشوكانِي في «النَّـيْل»(٤/ ١٧٥)؛ ولكن هو كذلك للإمام لعموم الدليل: (( فصاعدًا )) لِـكُـلِّ مُـصَلٍّ، ثُمَّ اسْـتُـثْـنِيَ مِن ذلك المأمومُ بالحديث المذكور٠
ويؤكد ذلك: ما رواه ابن حبان في صحيحه (١٧٨٧/ إحسان) مِن حديث المُسِيءِ في صلاته، ولَـفْـظُـهُ: (( ثُمَّ اقرأ بما شئتَ، … ثُمَّ اصنع ذلك في كل ركعة ))٠
وحديث المُسِيءِ في صلاته هو العُمْدَةُ في معرفة واجبات الصلاة، فـتعيَّنَ المطلوب٠
وأمَّا قـوله: (( ثُمَّ اقرأ بما شـئتَ )): فإنَّ الأمـر علَى الوجوب لنفس القـراءة، أمَّا قـوله: (( بما شـئتَ )): فهو تخـيـير فِي قَـدْرِ القـراءة، ومِن أي الآيات، فلا يُـفْـهَمُ أنَّ (( بما شـئتَ )) ترجع إلَى الأمـر بالقـراءة، وهـذا ظاهرٌ مِن السِّـياق جَـلِـيًّا، فإذا كان ذلك كذلك؛ فـقد ثبت وجـوب قـراءة الفاتحة عـلىٰ كل مُـصَلٍّ مُــطْـلَـقًا، إلَّا مـن عـجـز؛ فلا واجبَ مع العجـز، ووجوب قراءة ما تيسَّر فوقها للإمام والمنفرد، ويأثم مَن ترَكَ القراءة فوق الفاتحة، وأنَّ الأحاديث التي رُوِيَتْ في هذه المسألة تُـبَـيِّنُ أنَّ الإجماع المنقول في الإجـزاء بقراءة الفاتحة فحسْب؛ فـيه نظر٠
قال الحافظ في «فـتح الباري» (٢/٢٩٢/ ح: ٧٧٢) :
(( السورة أو الآيات مع الفاتحة، وهو قول الجمهور في الصبح، والجمُعة، والأُولَـيَـيْنِ مِن غيرهما، وصَحَّ إيجاب ذلك عن بعض الصحابة، وهو عثمان بن أبي العاص، وقال به بعضُ الحنفية، وابن كنانة مِن المالكية، وحكاه القاضي الفـرَّاء الحنبلي في «الشرح الصغير» روايةً عن أحمد )) اهـ٠
* قلتُ: وإنَّما قالوا ذلك لوجود الأدلة في المسألة بالأمر المقتضي للوجوب٠
وبِهَذا يكتمل الكلامُ في هذه المسألة بِما عندي فـيها مِن العِلْم، ﴿وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ﴾ [يوسف: ٧٦]٠
واللهُ مِن وراء القصد، وهو يهدي السبيل٠
وصلَّى الله علىٰ نبينا محمدٍ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا٠


وكَـتَبَ:
د/ عِـيد بن أبي السـعـود الكـيال
وكان الانتهاء من هذه المقالة قُـبَـيْلَ مغرب يوم التروية
السبت ٨ من ذي الحجة ١٤٣٧هـ ، الموافق ١٠ / ٩ / ٢٠١٦م

تحـمـيل بـصـيغة PDF
فتاوى ذات صلة
من أرشيف الموقع
تابع الصفحات الرسمية للموقع
إجمالي عدد زوار المـوقع :
إجمالي الزيارات المتكررة :
SiteLock